سهيلة عبد الباعث الترجمان
751
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
قلبي ، لأنّ الصفات معاني كمالات إلهية ، والمعاني لا يمكن شهودها إلّا بالبصيرة لأن البصر مقيّد بالأجسام والأرواح ، والبصيرة تشهد المعاني صورا بخلاف البصر ، وكان هذا المشهد أعلى من المشهد المتقدم ذكره لأن شهود البصر مقيد بالمظاهر الخلقية ، وشهود البصيرة غير مقيد بذلك ، بل مطلق ، فتارة يشهده في مظاهر الحقية ، وتارة يشهده في مظاهر الخلقية . المرتبة الثالثة هو الشهود المطلق المخصوص بالكمّل ، وهو أول مراتب الوجود " « 1 » . فهذا الشهود للحق تعالى لدى الجيلي في سائر الموجودات هو شهود صادق لا لبس فيه ، ولا تخيّل ولا تصوّر ولا بطلان . كذلك يعمد الجيلي نفي القول عن نفسه بالحلول والتشبيه أو التجسيم لأنه لا يجوز في حقه تعالى ، وهذه ناحية إيمانية عميقة ترتبط بمدى ما يحققه الصوفي من القرب الإلهي فيقول : " وليعلم أنّ هذا الشهود من غير حلول ولا مماسّة ، ولا نوع من أنواع التجسيم والتشبيه ، ولا شيء من ذلك على ما هو عليه من التنزه والكمال والتعالي فيما شاء من المظاهر ، تلك سنّة اللّه قد خلت في عباده من أوليائه ، يتجلى فيما شاء ، لا ترى لتجليه سبحانه وتعالى لموسى في النار المخلوقة التي رآها جانب الشجرة فسمع النداء إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا « 2 » فلم ينكر تجليه في النار بل آمن وصدق " « 3 » . هكذا فإن الفناء عن النفس طريق يؤدي إلى أن يفنى المحب عن كل أوصافه ، بحيث تتجلى صورته في صورة المحبوب وذلك بالفناء عن الإنية ، وغيبة النفس عن صفاتها حيث لا يكون ثمة مجال لصفة ما أن تفسد هذا الاتصال الذي تحسه النفس في حضورها مع اللّه . وفي هذا يرى الجيلي أن المشاهدة بهذا المعنى هي مشاهدة للّه تعالى سواء في خلقه ، أو في سائر الموجودات ، حيث يرى فيها اللّه ولا يرى شيئا آخر ، وهذا أعلى مناظر الشهادة فيترقى منها إلى مراتب الصدّيقية ، ولهذا فالشهادة كما يراها الجيلي متنوعة وليست واحدة فيقول : " وأما الشهادة فإنها نوعان شهادة كبرى وشهادة
--> ( 1 ) الجيلي ، رسالة أربعون موطنا ، ورقة 62 . ( 2 ) سورة طه ، الآية : 14 ك . ( 3 ) الجيلي ، المناظر الإلهية ، ص 14 .